يوميات دراجة نارية (10)

بسام المهر

 البنك في كل مكان

الجمعة، 4 آب2017

 في منطقة رأس العوجا في غور الضفة الغربية من نهر الاردن، الى الشمال الغربي من اريحا، تتبعثر بيوت من الصفيح هنا وهناك، تعيش فيها عائلات بدوية من الخرابشة، احد افخاذ عشيرة الرشايدة، وعائلات من الغوانمة من عرب الجهالين. وعلى سفح تلة هناك مضافة صغيرة بنيت ارضيتها بالاسمنت، ورفعت بأعمدة حديدية، ووضع فيها بعض الفراش والأسرة الخشبية، وامامها نصبت لوحة تعريفية بمسار ابراهيم، ذلك المسار المتعرج المتخيل الذي لا ادري كيف شق طريقه من العراق الى تركيا وسوريا والاردن وفلسطين، ووصل الى هذا المكان الخالي. تستقبلنا سيدة البيت بالترحاب والسؤال عن احوالنا، فهي ليست المرة الاولى التي نزور فيها المكان. تضع لنا ثلاث فرشات من الاسفنج مع مخدات مزركشة على ارضية التخشيبة الاسمنتية، وتذهب مسرعة لاعداد الشاي والفطور. بعد وقت قليل يأتي صاحب البيت، علي.

IMG_5830
مضافة الخرابشة. بسام المهر

يدور حديث هنا وهنا وما لبث ان تحول الى حديث حول العقارات. لا زلت تسكن بالايجار في رام الله؟ لا اصدق هذا، كيف؟ ولماذا لم تشتر بيتا وانت تعيش في رام الله منذ 25 عاما؟ ولماذا تدفع 2000 شيكل بالشهر لصاحب البيت طالما بإمكانك دفع ذلك المبلغ للبنك وامتلاك بيت؟ ماذا ستترك لاولادك؟ على الاقل تعرف ان هذا البيت في النهاية سيعود لك ولن تذهب كل الاموال التي دفعتها هباءا منثورا. ولكنني لا املك المال ولا اريد ان التزم للبنك بدفع مبلغ شهري كبير ورهن بيتي لبنك لا يرحم. على الاقل بإمكاني الانتقال من البيت بكل سهولة عندما اريد ذلك، عندما لا يمكنني ان احتمل  الجيران مثلا، وسيتحملني صاحب البيت اذا تخلفت عن دفع الاجرة لشهر او شهرين، وكذلك لو حسبت الفائدة التي ستدفعها للبنك خلال المدة التي ستشتري فيها البيت، فستستطيع ان تشتري شقة اخرى. ما الذي يجعل هذا البدوي الرحال ان يدافع بقوة عن موقفه ويتحدث وكأنه يعمل لصالح البنك؟ يذكرني ذلك بعناقيد الغضب لجون شتاينبك، نحن اوجدنا البنك، وفقدنا السيطرة عليه، والآن كلنا نعمل لصالحه.

IMG_5829
راس العوجا. بسام المهر

يعيش البدو في غور الاردن تحت تهديد الترحيل والطرد من مكان تواجدهم طوال الوقت من قبل الاحتلال الاسرائيلي، فهم يتواجدون في مناطق مصنفة (ج) حسب اتفاق “السلام” اوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، حيث تقع مسؤولية منطقة (ج) في الضفة الغربية امنيا واداريا تحت سلطة اسرائيل.


كنيسة الثالوث الاقدس

الجمعة ٩ حزيران ٢٠١٧

ما يميز الدراجة النارية، او اي شيء على عجلتين او قدمين، هو أنك تستطيع ان تقف اينما تشاء وبسرعة، تقف قليلا لقضاء حاجتك تحت شجرة زيتون، تقف بعد ذلك قليلا لشرب الماء او تدخين سيجارة، تقف ايضا لالتقاط صورة، او التحدث مع شخص ما على جانب الطريق. تقف اينما اردت، تقف عندما ترى منظرا يشدك ويثير اهتمامك. في طوباس شمال المنطقة المسماة بـ “الضفة الغربية” – أطلقت الاردن على هذه المنطقة من فلسطين اسم “الضفة الغربية”، لأنها تقع غربي نهر الاردن، وذلك بعد النكبة عندما وقعت تحت الحكم الاردني ما بين النكبة والنكسة منذ العام 1948 وحتى العام 1967، عندما احتلت اسرائيل ما تبقى من فلسطين. لماذا أطلقت الاردن هذا الاسم على ما تبقى من فلسطين؟ لأن ما تبقى من فلسطين التاريخية ليست فلسطين؟ منطق! هي جزء بسيط منها، تشكل “الضفة الغربية” ٢١٪ من مساحة فلسطين التاريخية فقط. اما اسرائيل فتطلق عليها اسم يهودا والسامرة تبعا لاسم المملكتين اليهوديتين اللتين نشأتا بعد انقسام مملكة الملك سليمان في القرن التاسع او الثامن قبل الميلاد، حسب الكتاب المقدس. اما السلطة الفلسطينية فتطلق عليها اسم فلسطين، وكذلك جوجل.

tubas church
كنيسة الثالث الاقدس للروم الارثوذكس في طوباس. بسام المهر

في طوباس شاهدنا بيت مرفوع عليه الصليب، تعجبت من امره وبقيت انظر اليه من الناحية الاخرى حتى شاهدت جرسا معلقا اعلى البيت. انه ليس بيتا، انه الكنيسة. هكذا تكتشف الاماكن وانت تتجول على دراجتك في فلسطين. غيرنا الاتجاه وتبعنا الشارع المؤدي الى الكنيسة. بعض الشبان يقومون بإنزال بعض الاغراض من المركبة التي تقف امام المدخل. ينظرون لنا باستغراب. ترجلنا عن دراجاتنا وبسرعة وقبل ان اثير فضولهم نزعت خوذتي وتوجهت لهم بالتحية والسلام. استقبلونا بحفاوة وأدخلونا الى كنيستهم، صغيرة متواضعة ونظيفة، تفوح منها بعض روائح البخور. في الامام قاعة واسعة تعبر منها باتجاه الغرفة التي شكلت مكان الصلاة والعبادة. استقبلنا الخوري طعمة داوود، راعي الكنيسة، وأجلسنا في منتصف القاعة وحولنا جلست نساء ورجال الطائفة، يقدمون لنا التمر والقهوة والشوكولاتة، والمياه الباردة، بينما يسرد لنا الكاهن داوود تاريخ الطائفة ومكانتها وعراقتها.

يوميات دراجة نارية (9)

بسام المهر

الزبيدات

الجمعة 30 سبتمبر 2016

قرية صغيرة في غور الاردن، تبعد 45 كم شمال مدينة اريحا، ويستوطنها حوالي 2000 شخص من قبيلة الزبيدات البدوية. هذه القبيلة البدوية التي تعود جذورها الى بئر السبع التي هجرتها بعد نكبة العام 1948 الى غور الاردن، حيث قامت الحكومة الاردنية بتوطينهم في هذه المنطقة قبل ان تحتلها اسرائيل في العام 1967.

zbeidatتبدو القرية هادئة نوعا ما في صباح يوم الجمعة. ندخل الشارع الرئيسي للبلدة ببطء، وبعد عدة عشرات من الامتار ننعطف يمينا الى شارع فرعي لاحظنا فيه تجمع للسكان. نظروا الينا من بعيد، هناك الكثير من الاطفال، الكثير منهم، نظروا الينا وبسرعة البرق، تجمعوا ليصبحوا عشرات وينقضوا علينا هاتفين ضاحكين فرحانين لوجودنا. نمشي بينهم وهم يصفقون ويضحكون ويغنون لنا وكأننا نبوخذ نصّر عائدين الى بابل بعد ان غزونا القدس.

يتجمع عشرات السكان ليحضّروا ساحة العرس، هذه الليلة سيتزوج احد ابناء القرية، ابن العشرين عاما، من احد بنات عمومته. على عربة التراكتور يقوم الشباب بتزيين جوانبها وبناء شكل من اشكال المسرح المتحرك، يرفعون صناديق مكبرات الصوت فوقها، فهناك سيقف المغني وفرقته المتواضعة، وهناك سيرقص العريس مع جميع شباب القرية، وهناك سيغنون له اغاني الدحية الجميلة…

بيري زمزم عليه       حارسٍ لا ينام

والركايب عليه         مثل رف الحمام

—-

يللي قطعتوا نصيبي     يجعل معزاكو للذيبي

—–

ما بين الجمعة والخميس     حلمتك يا محمد عريس

بردلا

الجمعة 30 سبتمبر 2016

لا يترك لك ابراهيم زعبي مجالا للحديث، ولا يهتم ابراهيم حتى لوجود دراجين غريبين يدخلون البلدة لاول مرة، فهو ايضا غريب عنها. يتحدث ويتحدث بصوت مرتفع وكأنه يلقي نشرة الاخبار. يتحدث عن مغامراته وذكرياته البطولية الجميلة مع الدراجات القوية فوق 1200 سم3، فهذه الدراجات التي امامه، صاحبة المحرك الصغير، لا تساوي شيئا، لا يمكنه حتى النظر اليها، هو فقط ركب الهارلي والتراينف والبي امي في. ابراهيم زعبي جاء من اكسال، الناصرة، ويعمل على شاحنة لنقل الخضار من بردلا الى الشمال. عاش ابراهيم في المانيا لفترة من الوقت، ولديه ذكريات جميلة وشقية مع الموتورات والشقراوات فيها. تقع بردلا في اقصى شمال شرق الضفة الغربية المحتلة، ويسكنها ٢٥٠٠ مواطن جميعهم من عائلة صوافطة من مدينة طوباس.

bardala_ibrahim-zoabi

دوار حزما – بجانب حاجز حزما العسكري

الجمعة 28 اكتوبر 2016

تملأ الغيوم السماء، تتربصنا بهطول المطر بعد اول ليلة ماطرة في هذا الموسم. الشوارع رطبة ومبللة قليلا، لا شي مقلق سوى الحذر من السير بسرعة او استعمال الفرامل على شارع مبتل. داخل دوار حزما، المدخل الشمالي-الشرقي للقدس، تنزلق سيارة وهي تلتف حول الدوار، هذا المكان كالصابون، زلق للغاية. بعد ثواني معدودات، يدخل الدوار دراج اسرائيلي بتأنٍ محاولا الابتعاد عن المركبة المنزلقة، ولكنه ينزلق ويسقط ارضا. لا شيء حرج، لم يسيطر على الدراجة بسبب الطريق. كنا نحن نقف امام الدوار لاعطاء حق الاولوية للمركبات داخله، وعندما انزلق الدراج، اسرعنا لمساعدته على الوقوف واكمال سيره. ترجلت عن دراجتي، وذهبت اليه ورفعت معه الدراجة، تصافحنا، شكرني، وتمنيت له يوما جميلا.

هناك رابط مشترك بين الدراجين يتعدى اللغة والطبقة والتفوق التكنولوجي والفكري، ويتعدى القوة، اونمط ركوب الدراجات، ويتعدى الاحتلال.

hezma

يوميات دراجة نارية (٨)

بسام المهر

قمران

N31° 44.49’ E35° 27.594’

١٢ آب ٢٠١٦

على ضفاف البحر الميت تقع قرية عتيقة التجأت اليها قبيلة تركت الحياة وصخبها في الأعلى ونزلت الى اخفض بقعة على الأرض، وكأنها نزلت الى باطن الأرض، حيث يعيش هيدز، ملك العالم السفلي. اعتزلت الحياة وعاشت حياة التقشف والتطهر، وكتب قوانينها على لفائف لفتها بعناية وخبأتها في بطن الجبل حتى وجدناها بعد الفي عام.

IMG_6896
كهوف قمران حيث وجدت المخطوطات. بسام المهر

Continue reading “يوميات دراجة نارية (٨)”

يوميات دراجة نارية (٧)

بسام المهر

“والقهوة، لمن أدمنها مثلي، هي مفتاح النهار.” محمود درويش

29 تموز 2016

على حاجز دير بلوط يقف جنديين اسرائيليين وراء مكعبات اسمنتية. لا يوجد حركة سير على هذا المفترق، فيوم الجمعة عادة هادئ. نقترب من الحاجز على ثلاث دراجات نارية، نعكر صفو الهدوء، نخفف السرعة ونترقب اشارة الجندي لنا بالتقدم او التوقف. لا اشارات، لا شيء، نستمر بالتقدم ببطء شديد، اقدامنا اليسرى تجر على الارض استعدادا للتوقف التام في اية لحظة يأشر فيها الجندي. الجندي يبتسم، يتقدم للامام خطوتين امام المكعب الاسمنتي، يأشر بيده للتوقف. نتوقف ثلاثتنا، الجندي لا ينظر لنا، الاحظ ابتسامته، انه اسمر البشرة قليلا، ذو شعر غزيز طويل قليلا على عسكري، ولحية خفيفة سوداء، راميا بندقيته على جانبه الايسر. ينظر الى الدراجة، ويسأل من اين اتينا، “من رام الله”، اجيبه، “والى اين تذهبون؟” “الى قلقيلية”، تزداد ابتسامته ولكنه لا ينظر الينا، لا زال يحملق في الدراجة، “ساع”، “يوم توف”، ونكمل المشوار. ما الذي يجعله يبتسم؟ هل هي تلك الآلة الهندسية الفاتنة ذات العجلتين؟

IMG_6835 Continue reading “يوميات دراجة نارية (٧)”

يوميات دراجة نارية (6)

بسام المهر

٨ تموز ٢٠١٦

فلتت مني شهقة حين عبرنا المنعطف الاول، وارتج لساني ومقود السيارة في يدي. وهتفت بزملائي الذين كانوا معي في السيارة: عشرين عاما وأنا أحلم بهذه المنعطفات اللولبية. هذه الطلعة لم تغب عن ذاكرتي يوما واحدا. إني أتذكر كل منعطف فيها. هي اربعة فعدوها. وهذه الجبال المشرئبة تحرس السهل الاخضر. هي عشرة فعدوها. وهذا الهواء النقي، هذا الاريج أعرفه. إني استنشق رائحة رافقتني طول العمر. هذا المكان مكاني![1]

01قبل ٤٨ سنة، بعد عام على احتلال إسرائيل للضفة الغربية، كتب اميل حبيبي هذه السطور عن منعطفات اللبن. وبعد ٤٨ سنة لا زلت اشعر بنفس ما شعر به الروائي الكبير. اشعر بالحنين ولكن أيضا بالغربة وانا امرّ من منعطفات اللبن الشهيرة، اللولبية الخضراء الزاهية، وهذه التلال التي تحرس السهل الأخضر في الأسفل.

لقد أصبحت الطريق الرئيسية التي مضى عليها مئات السنين، والتي كانت مقطعا من الطريق الواصل ما بين القدس ونابلس، أصبحت غريبة علينا، وأصبحنا دخلاء عليها، بعد ان بنت الدولة المحتلة طريقا التفافيا سريعا يتخطى الطريق الرئيسي الجميل. Continue reading “يوميات دراجة نارية (6)”

يوميات دراجة نارية (٥)

بسام المهر

٧ تموز ٢٠١٦

في المزرعة الشرقية شوارع واسعة. وللتجول في هذه القرية الهادئة، اختار أيام العطل والاعياد كي تكون الشوارع خالية، لي وحدي. اسير ببطء، اتمعن في البيوت الواسعة و الڤلل الشاهقة والمكلفة جدا، والحدائق الخضراء امام البيوت. انا لست وحدي، انظر في مرآتي الصغيرة لأشاهد سيارة تتبعني، خمرية اللون لامعة ذات زجاج داكن، ولوحة تسجيل لجهاز امن. اتجول في الشارع الرئيسي، ومن ثم في الطرق الفرعية ولا زالت تتبعني. اقود ببطء، اسير يمينا وشمالا في ازقة القرية الضيقة، وألقي السلام على بعض الاولاد الجالسين على عتبات بيوتهم، ثم اعود الى الشارع الرئيسي، واتوقف امام دكان كبير في وسط البلدة واخلع خوذتي. تتوقف السيارة الخمرية اللامعة عشرة أمتار خلفي، ليترجل منها شخص لا زال يلبس بجامته، داكن اللون، حليق الرأس، طويل القامة، يقطع الشارع ببطء صوب الدكان. “لماذا تتبعني،” سألت رجل الامن،” “دراجة نارية سوداء غريبة تسير وسط البلدة، وتتجول في ازقتها، يقودها دراج يرتدي خوذة بنظارات كبيرة سوداء، وقفازات سوداء ومعطفا وبنطالا اسودين، وحذاءً اسود، لا ترى منه شيئا، ولا تريدني ان اتبعك؟” أجاب باحتقان. نعم، هذه حالنا هذه الايام، هذا ما فعله الاحتلال الطويل ومستوطنيه، جعلنا نشتبه بكل شخص غريب لا نعرفه. في المرات المقبلة، سألبس ملابس بألوان زاهية، واخلع خوذتي السوداء عند المرور بقرية، وألقي التحية على كل شخص في الشارع، وإذا تبعني رجل امن، سأتوقف واعرف عن نفسي.

01
تصوير: هيا رزق

٦ تموز ٢٠١٦ Continue reading “يوميات دراجة نارية (٥)”

يوميات دراجة نارية (٤)

بسام المهر

٥ تموز ٢٠١٦

صباح اليوم، آخر ايام شهر رمضان، وفي الطريق المنحدر جدا من الجبل، والمتعرج جدا للتخفيف من حدة الانحدار، وفي منتصف منعطف شديد، مررت بطفلين بعمر الزهور يجمعان علب الصفيح في كيس بلاستيكي كبير من جانب الطريق. يجمعان العلب لكي يبيعانه ويشتريان بثمنه كسوة العيد والعاب العيد وفرح العيد. سيعمل هذين الصغيرين طوال اليوم في شوارع المدينة وطوال الليل، هناك الكثير من العلب ستلقى على جوانب الطريق هذا اليوم من شبابيك السيارات المسرعة. سيفرح هذين الصغيرين ويشكران كل شخص قام برمي علبة مشروبه خارج سيارته. صاح عليّ احدهم، “هل معك ماء للشرب.”

01

٢٤ حزيران ٢٠١٦ Continue reading “يوميات دراجة نارية (٤)”