هدوء غريب يلف رام الله ليلة المونديال

  بسام المهر – 18.7.2014

مات تشارلي هيدن قبل عدة ايام بعد صدور اخر البوم له مع كيث جاريت، “الرقصة الاخيرة”، كما لو ان اترابوس، سيدة الموت، اعطته وقتا ليكتب اخر رقصة له، لقد امهلته الموت وجلست تنتظر على عتبة البيت لتسمع آخر الحان موسيقار الجاز المخضرم، تشارلي هيدن.

صباح هذا اليوم تشجعت وذهبت الى عملي ماشيا. يبعد المكتب عن بيتي خمسة كيلومترات والجو لطيف، يدعو الى المشي، ونحن في شهر الصوم، لا احد في الشارع، فالكل نيام، ليس فقط لأنه شهر الصوم، بل الليلة كانت ليلة المونديال، اللعبة النهائية في كأس العالم. لقد سهر الناس كثيرا، ولكن لست ادري، هل سهروا طويلا على مباراة كرة القدم ام على اصوات الحرب التي تدك ابواب غزة طوال الليل؟ لا احد يمشي في الشارع والساعة قاربت على الثامنة صباحا، القليل جدا من المحلات تفتح ابوابها بتثاقل، والعدد القليل جدا من المشاة الذين صادفتهم يبدوا عليهم التعب والنعاس.

748A4670
شارع المعرض، رام الله. (بسام المهر)

ولكن، هل امهل القصف اهل غزة ليكتبوا رقصتهم الاخيرة، قبل الموت؟ هل ارسل لهم “جيش الدفاع” المغلف الليلكي ليستعدواللموت؟ ام اكتفى بالمكالمات الخلوية؟ ولكن ماذا لو لم يجب صاحب الموت على هاتفه؟ ماذا لو كان الهاتف مغلقا او تحت التغطية او بحاجة الى شحن البطارية؟ هل سيعاود جيش الموت الاتصال كي يستعدوا لموتهم؟ ام هل سيترك لهم رسائل صوتية؟

لا يوجد رقصات في مدينتي بعد انتهاء اللعبة الختامية للمونديال هذه المرة، لا ابواق السيارات في آخر الليل ولا اعلام مرفوعة ترفرف على سيارات مشجعيها هذا الموسم. لا العاب نارية ولا صوت شاكيرا، لقد غطت الانفجارات على الجميع، استحت المدينة ان تحتفل بانتصار الحرب في البرازيل، فحرب غزة لم تنته بعد.

IMG_6784
شارع البراق، البيرة (بسام المهر)

جلست سيدة الموت في رواية سراماغو “انقطاعات الموت”، على عتبة البيت تنتظر الموسيقار كي ينتهي من معزوفته، لقد اعطته وقتا اضافيا في الحياة قبل ان تذهب في نزهة معه في المتنزه القريب.

ايها الموت، انتظر اهل غزة حتى ينهوا “تدابير الجنازة،” انتظرهم كما انتظرت درويش وهيدن، اعطهم مزيدا من الوقت كي يودعوا اصدقاءهم واحباءهم وابائهم واخوتهم وجيرانهم. “فيا مَوْتُ! انتظرني ريثما أُنهي / تدابيرَ الجنازة في الربيع الهَشّ،/ حيث وُلدتُ، حيث سأمنع الخطباء / من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين / وعن صُمُود التينِ والزيتونِ في وجه الزمان وجيشِهِ“.

انتهت الحرب في البرازيل هذه الليلة ولم تنته في مدينتي. الحرب في غزة تحرق كل شيء، وفي مدينتي تحرق الحرب رؤوسنا، تمحو ذاكرتنا، تفتتنا، تشتتنا وترمينا في السراب. تسرق الحرب امانينا وعواطفنا وحتى آلامنا. لن نتألم بعد اليوم يا فولكانوس، لن تحرقنا بنارك وبراكينك، لم يعد يعمل جهازنا العصبي، لقد خلعنا ضرس العقل.

ما هذا الزمن الذي نعيش؟ لقد ولدت في حرب، وادركت عالمي اثناء حرب، واحببت لأول مرة في حرب. آمنت خلال حرب، وكفرت خلال حرب. لقد سجنت خلال حرب، وتزوجت اثناء حرب، وسافرت عندما بدأت الحرب، وعدت الى دياري بعد حرب. كيفما تسألوني عن تاريخي سأجيبكم بحرب. الحرب اصبحت عنواني وذاكرتي وادراكي ووجداني وايماني وتعاليمي وحياتي وستصبح مماتي.

يداعب هايدن الكونترباص في رأسي، هذه الموسيقى الرائعة، الغنية الراقصة. تعطيني الموسيقى النكهة ذاتها التي تعطني اياها اول رشفة شراب، تسكرني، تحملني فوق الغيوم وتجعلني خفيفا كالفراشة. هل سيعطيني الموت وقتا كي اسمع الموسيقى؟ لن تتعذب ان كنت تسمع الموسيقى وانفجر في وجهك صاروخ او وجدت نفسك مدفونا تحت الانقاض، لن تسمع ذلك الانفجار الضخم ولون السواد. اغمض عينيك واستمع موسيقاك ولا تنتظر موتك.

تبدو المدينة نائمة هادئة ناعمة مسالمة جميلة هذا الصباح. لا اصوات محركات السيارات وابواقها التي لا تتوقف، لا عبوس السائقين والكل يحاشر كي يصل الى عمله شاتما كل من حوله، لا مشاة وطلاب مدارس وبياعين، تبدو المدينة كصباح يوم جمعة، سكون ودفء وخيوط اشعة ذهبية.

ولكن، للمدينة هذا اليوم شكل آخر، شكل حزين، كئيب،عابس وقاتل. ماذا سأكتب عن مدينتي هذا اليوم؟ تتصارع الكلمات في رأسي وتتحطم. حزينة مدينتي، يحرسها بائع الصحف يجلس وحيدا عند المفترق، لا احد يشتري منه، فصحفه تفوح منها رائحة الموت. اقترب منه والتقط صورة له، ذاك الصبي ابن الخمسة عشر ربيعا، جالسا على كرسيه عند المفترق يبيع كلاما مرسوما على ورق.

IMG_6792
شارع نابلس، البيرة (بسام المهر)

اقرأها بالعبرية هنا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s