ما وراء الغابة السوداء تكمن قرية القرع السحرية

بسام المهر – 30.8.2014

هناك العديد من المناطق التي لا اعرفها في فلسطين، لا يمكنني وصولها، والمشي فيها، والاستمتاع بها، ازورها فقط على الخريطة، احدد مكانها بدقة لا لقضاء يوم الجمعة فيها، بل لتجنبها، للمشي بعيدا عنها، للالتفاف حولها، انها “الغابة السوداء” التي لا استطيع عبورها، او حتى النظر اليها، فهي ملأى بالضباع، والذئاب المتوحشة او المستأذبة. انها على حدود مدينتي، تلامس اطرافها شرفة بيتي، تلك “الغابة الممنوعة” والغريبة كليا وكأنها من مجرة اخرى، تبدو لك كذلك رغم ملامستك لها. وها انا التف حول الغابة، وامشي للبحث عن مكان آخر يأخذ مني خوفي من الذئاب. مقطعة اوصالنا، ممزقة اراضينا، مشتتة دماؤنا بين شمال الوطن وجنوبه الحزين الذي يئن تحت ثقل الانفجارات، والموت والغبار اللعين.

IMG_7511
دورا القرع. تصوير بسام المهر

امشي لكي احافظ على ما تبقى من عقلانيتي، امشي، فيزداد الوطن امتدادا.

لا يبعد النبع سوى ستة كيلومترات الى الشمال الشرقي من رام الله، مختبئا في واد هادئ، بنيت حوله قرية صغيرة سميت نسبة الى قرية اهلها الاصليين واحدى خضرواتها. انها دورا القرع، نعم القرع، او اليقطين. لماذا سميت كذلك؟ السبب بسيط، يعتقد ان القصة بدأت منذ زمن بعيد، حيث لجأت عائلة من قرية دورا، قضاء الخليل الى هذه المنطقة بعد قضية ثأر – تخرج عائلة القاتل من القرية او المدينة حقنا للدماء وعقابا. ولكن هذه العائلة لم تستطع الابتعاد عن قريتها، فاحتفظت باسم قريتها، ربما حز في نفس كبارها تركهم لاراضيهم وبيوتهم وذكرياتهم واصلهم فجأة ليأتوا الى مكان غريب، ومناخ غريب، لا يذكرهم بأي شيء، فقط كون احد ابنائها اقترف جريمة، اي عقاب جماعي هذا؟ ربما اعطوها نفس الاسم ليذكرهم بالعودة، ليذكرهم ان قريتهم ما زالت هناك، وانهم سيعودون، يوما ما، عندما يبرد الدم، وتصفو القلوب، ويعود الابن الى حضن ابيه.

بدأ اهل القرية بالتأقلم، وبالزراعة، وكون العائلة حطت رحالها في واد خصيب، زرعوا الخضروات، والفواكه، ومن اكثر ما زرعوه، القرع واليقطين. وعندما تسأل احدهم من اين انت، يجيبك، “انا من دورا، لا، لست من دورا الخليل، من دورا القرع!”

IMG_7537
يقطين. تصوير بسام المهر

رحلت العائلة شمالا حاملين اشياءهم ومواشيهم، حطوا الرحال حيث الماء والارض الخصبة والمناخ العليل في جبال رام الله المرتفعة، وقربهم من القرى والمدن المحيطة – رام الله والقدس، حطت في الوادي الاخضر المشبع بالمياه العذبة وزرعت القرع واليقطين والملوخية والجرجير والقرنبيط والفجل والبندورة، ولا زال القرع واليقطين موجودا، لم تتخل القرية عنه وعن سبب تسميتها الاصلي – القرع، هذه الفاكهة الحلوة والتي تتسلق على اي شيء، على الارض والحجارة والصخور والشجر وتثمر فاكهة لم يجد الانسان عناءا في اكتشافها من اكثر من 13 الف عام. واليوم لا زال الفلسطينيون يأكلونها، يطبخونها مع صلصة البندورة والبصل او يحشونها بالارز واللحم، ويأكلون بزر اليقطين الابيض المملح.

بين جبال دائمة الخضرة تنبع المياه في هذا الوادي، تنبع من بين شقوق الصخور مياه عذبة باردة نقية. وفي اواخر الصيف، ومع اشتداد الحر، تخف قوة المياه في هذه العيون: تخرج المياه من عين النبعة، الاقوى من بين العيون الخمسة في القرية، مثل حنفية الحديقة خلف البيت، اما عين البلد فتخرج المياه باستحياء، بصوت خافت، وتنتظر بنات القرية يحملن زجاجات بلاستيكية لتعبئتها. تأخد العين وقتها، لا احد على عجلة من امره، فالمياه موجودة سواء قوية ام ضعيفة، لا يمكنك ان تسأل الطبيعة ان تستعجل امرها. تنتظر الفتيات بكل هدوء ان تمتلئ زجاجاتهن ليعدن الى بيوتهن بمياه عذبة من عين البلد، اما عين الذروة، فيمكنك ان تأخذ غفوة قبل ملء لتر واحد من المياه. “مياه العين اطيب للشاي والقهوة من مياه الخزانات لدينا، لا شيء يضاهيها،” تقول احدى الفتيات حول النبع.

IMG_7470
عين النبعة، دورا القرع. بسام المهر

بنى المزارعون امام عين النبعة بركة صغيرة لا تتسع لاكثر من 20 م3، لتجميع المياه الشحيحة وتوزيعها على المزارعين. في هذا المكان الهادئ، نصب وائل الاعمدة وغطاها بالشوادر وافتتح “مقهى النبعة”، يقدم الشاي والقهوة والشيشة، وبعض الكراسي والطاولات البلاستيكية ومنقل الفحم للشواء وحفرة الزرب (طريقة محلية للشواء). انه مكان رائع، هادئ وجميل. على الجانب الآخر من المقهى تجلس بجانب حائط صخري بارتفاع خمسة امتار، وامامك من الشرق مزارع صغيرة من الخضروات، واكثرها القرع، مربعات صغيرة مثل لحاف جدتي، وتسمع صوت مياه العين تتدفق من الصخر المقابل يصب في البركة. مكان مسالم وجميل ورائع لسماع موسيقى الطبيعة.

IMG_7505
وائل صاحب المقهى. دورا القرع. تصوير بسام المهر

سيبقى ذلك الوادي الخصيب رغم قربه من المدينة، او رغم امتداد المدينة حوله، يختفي بين الجبال، جبل اغريتس المغطى بالاشجار البرية يلفه من الجنوب، يحميه، والعيون العذبة فيه، سيبقى يلف القرية بالجمال.

في الاعلى، يلف الجبل سياجا معدنيا، يمنع كل ما يتحرك من العبور، اعلى الجبل محرم على سكان الوادي، حيث تقع مستوطنة بيت ايل، تقترب، تتوسع شيئا فشيئا، تكشر عن انيابها وتنهش لحم الجبل صخرة صخرة، وبين الفينة والفينة تهاجم الذئاب المزارعين الصغار في الوادي مذكرة اياهم بالوحش الجاثم في الاعلى، الجائع دوما للحمكم. يا ليلى لا تستمعي للذئب، لا تجعلي الذئب يخدعك بصوته.

اقرأها بالعبرية هنا

Advertisements

One thought on “ما وراء الغابة السوداء تكمن قرية القرع السحرية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s