العودة “مؤقتا” الى تل ابيب

بسام المهر – 14.10.2014

748A7158
جادة نجمة داوود، تل ابيب. (بسام المهر)

تبعد رام الله عن تل ابيب مسافة ٦٠ كم بالسيارة او ٤٥ كم هوائي، وترتفع ٨٥٠ مترا عنها، ولكن ان تصل الى الساحل من الجبل عليك ان تقطع الحدود وبحوزتك فيزا دخول سارية المفعول. هذا ما لدي حتى الآن، ولهذا قررت المشي والتجول في تل ابيب، فاليوم يسمح لي بالدخول والزيارة ولكن لا استطيع ان اضمن ذلك اي وقت آخر.

بدأت زيارتي من تل ابيب السوداء، جنوب تل ابيب، حيث يعيش العديد من البشر، الذين لا عنوان ولا اسماء لهم. عدت احمل ذكريات ابي الذي كان يبيع الخضار على عربة حصانه من قرية الشيخ مونس الى المدينة يافا. امشي في شوارعها واتذكر انني انحدر من أب وأم كانا يعيشان هنا، ترعرعا هنا، وتدحرجا على رمال شواطئها، وسبحا في بحرها، ولولا النكبة لاكملا ماضيهما ومستقبلهما هنا، ولكنت الآن ازور قبر امي في هذه المدينة التي يسمونها البيضاء، ولكنت اليوم اتنقل في شوارعها على دراجة هوائية.

בסאם-בתל-אביב-11
حديقة لوينسكي، شابيرا، تل ابيب (بسام المهر)

احمل عبء التاريخ الثقيل واتجول، اتعرف على شوارعها واحيائها وازقتها، واسواقها ومجمعاتها التجارية، وشواطئها، ومناخها، ومطاعمها ومباني الباوهاوس وابراجها الشاهقة، وحياة سكانها الذين يحاولون ان تبدو حياتهم وكأنها طبيعية. لم تبد لي كذلك، اصوات الحرب لم تخفت بعد، لا زال صداها يتردد.

748A7180
سوق الكرمل، تل ابيب. (بسام المهر)

اترجم كلمات والدي عندما اخبرته في الصباح انني اذهب اليوم الى مسقط رأسه، فيسألني ان اخبره كيف الحال. لم يعد الحال على ما كان عليه يا والدي، فكل الجغرافيا تغيرت. لقد استبدل مواطنو المدينة الاصليين بآخرين جاءوا من كل مكان، استوطنوها، استملكوها وغيروا كل شيء فيها يا والدي.

748A7083
شارع يافا، جادة موشافوت، تل ابيب. (بسام المهر)

انهم في كل مكان، ولكن في هذا الجزء من المدينة الذي يسمى شابيرا، التفت في كل مكان وارى مهاجرين، سود، افارقة واسمع لهجات مختلفة، من اين جاءوا؟ يحدثني مرافقي انهم من ارتيريا والسودان واثيوبيا وغيرها من بلدان القارة السوداء، لجأوا الى هذه البلاد املا في حياة أخرى، “ارض اخرى!” جنوب المدينة تحول الى اسود، انهم في كل مكان، يفترشون الارض ويلتحفون السماء. انهم لاجئون او طالبي لجوء. فكرت في اللجوء، فأنا ابن لاجئ، لم آت من السودان او ارتيريا، انا لاجئ من هذه المدينة، لجأ والدي عنها قبل ٦٦ عاما، فكرت التوقف وسؤال احد الافارقة اللاجئين، اتعرف انني لاجئ؟ يستغرب من سؤالي ويجيبني، من اين؟ انا لاجئ من هذه المدنية. ماذا؟ هل تسخر مني؟ لا اعرف ابدا ان هناك لاجئين من تل ابيب.

748A7113
سديروت روتشيلد، تل ابيب (بسام المهر)

سخرية القدر، انا لاجئ يسمحون لي ان ازور مدينتي، وامشي في شوارعها، ولكن لا يسمح لي العودة اليها، انت لست من هنا، هذه ليست لك، هذا هو القهر بعينه، ان تعود الى مدينة ابيك وامك وترى كل شيء فيها ولكن لن تبقى فيها، انت لست افريقيا، انت عربي فلسطيني تمتد جذورك الى هنا، انت يجب ان تبقى بعيدا عنها. انا لا افهم، كيف يعود اللاجئون ولا يعودون؟ كيف يشعر ابن مخيم قلنديا عندما يعود الى سلمة، يزورها في النهار، او اذا اردت اكثر سخرية، كيف يستطيع العمل فيها، عامل بناء في النهار، ويعود الى مخيمه في الليل؟ يعود الى سجنه في الليل، ذاك السجن ذو الخمسة نجوم في المنطقة المسماة ذاك الاسم الهزلي – الضفة الغربية. ضفة من؟ من يسمع بهذا الاسم يعتقد ان نهر الاردن كنهر السين او النيل، له ضفاف!!

العودة المؤقتة. هذا ما اراده مخططو هذه الدولة، ان يشعر سكانها الاصليون بأنهم غرباء في مدينتهم. لا، انا لست غريبا، اريد ان اعود الى مدينتي حتى لو قلبت رأسا على عقب، ولم يبقى اي حجر اصلي فيها، يكفي ان يبقى البحر والموج والرمل والهواء. لا ادري لماذا بقيت تلك الاغنية تدندن في رأسي طوال ذاك اليوم… everybody knows by leonard cohen.

اقرأها بالعبرية هنا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s