نظرات الشوق الى نهر الاردن

بسام المهر، 10.12.2014

ان اعبر نهر الاردن بحصاني، هذا كل ما احلم به،” قال لي ابو حمد من قرية العوجا في غور الاردن وهو ينظر شارد الذهن الى الشرق.

ابو حمد ينظر باتجاه نهر الاردن، تصوير بسام المهر
ابو حمد ينظر باتجاه نهر الاردن، تصوير بسام المهر

لا نعرف نهر الاردن، لا يمكننا وصوله، نقطعه آلاف المرات في ترحالنا الى العالم، ونخطف نظرة سريعة وخائفة اليه عند عبورنا جسر اللنبي متوجهين الى الاردن، في باصات مغلقة، نراه فقط من وراء الزجاج، فهو الحدود، تلك الكلمة التي تشعرنا بالقشعريرة والخوف عندما نتلفظ بها، انها المنطقة الحرام التي لا يمكننا حتى استراق النظر اليها.

نسمع عن النهر من آبائنا واجدادنا، وكتّابنا كيف كانوا يقطعون النهر ويسبحون في النهر، ويغسلون في النهر، ويروون مزارعهم من النهر، ويهربون الى المرتفعات القريبة عندما يفيض النهر في الشتاء، ويعبرون النهر بخيولهم، فهو ليس ذاك النهر العميق. يروي لي ابو حمد عن جده الحاج شحادة كيف كان يصيد السمك من النهر، وعن الدشة، وهي المنطقة الملاصقة لمجرى النهر، وكيف كانوا يركبون دواليب المياه لري مزروعاتهم.

يحدثنا رجا شحادة في كتابه A Rift in Time حول عمه نجيب الذي كان يقاوم الاحتلال الانجليزي في العشرينات من القرن الماضي:

The River Jordan did not delineate a political border. Without delays Najib was able to ford it by horse and in no time found himself on the eastern bank in what today is the Hashemite Kingdom of Jordan.”

وادي العوجا في الربيع، تصوير بسام المهر

انه نهر متمرد، يغير مساره، جريانه سريع لا يمكن للقوارب العوم فيه، وهو النهر الوحيد الذي لم تبنى عليه اي مدينة في التاريخ. لماذا؟ الم يكن الانسان قادرا على ان يكبح جماح النهر ويضع حدا لفيضانه وعنفوانه ويوحد مساره داخل مدينة؟ لم يكن النهر حدودا سياسية فعلية الا منذ العام ١٩٦٧، حينما احتلت اسرائيل ما تبقى من فلسطين، ونظريا فقد رسم الحدود غير المغفور لهم سايكس وبيكو عند نهاية الحرب العالمية الاولى، عندما قررت عصبة الامم ان تضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني.

لا يمكن لاي فلسطيني ان يستخدم شبرا واحدا قريبا من الحدود الشرقية مع الاردن، فكل الحدود مناطق عسكرية (ما عدا عشرات آلاف الدونمات من الاراضي الفلسطينية الخضراء الواسعة المتاخمة للنهر والتي سمحت الحكومة الاسرائيلية للمستوطنين بزراعتها). لا توجد مزارع فلسطينية بالمطلق على امتداد ذلك النهر في ضفته الغربية، ويا للاسف، كيف حصل هذا؟ ولماذا؟ قانون املاك الغائبين يحول ملكية اراضي الغائبين الى الدولة، والاوامر العسكرية حولت كل الحدود الى مناطق عسكرية وتمنع اي فلسطيني من استغلال ارضه، وحتى من العمل في تلك المزارع التي يديرها الاسرائيليين.

لم يبق لنا سوى بعض روافد الاردن الموسمية مثل العوجا والقلط وفصايل، والتي اختصرت في اقنية ضيقة لا تروي الظمأ، والتي تجف ما ان ينحسر الشتاء. جفت المياه في العوجا، وانحسرت مزارع الموز، ولم يبق للفلاحين الفلسطينيين بُدّا سوى العمل في مزارع المحتل، وفي اراضيهم المصادرة.

اختزل نهر الاردن الى بقعة صغيرة للحجاج المسيحيين ليتعمدوا فيه تحت حراسة اسرائيلية مشددة تصل اليها بين حقول الالغام المميتة.

موقع المغطس على نهر الاردن. تصوير بسام المهر
موقع المغطس على نهر الاردن. تصوير بسام المهر

كم كنت اتمنى ان اعيش في زمان غير هذا الزمان، ان اتحرر من الحدود اللعينة، وان اتمتع بأخفض بقعة على كوكب الارض، وامشي نهر الاردن بطوله من خروجه من جبل الشيخ وحتى البحر الميت، واخيم على ضفافه في يوم من ايام آذار، وامشي بين مزارع الموز بلا خوف.

اننا محاصرون بالمياه، النهر من الشرق والبحر من الغرب، ولكننا ويا للسخرية، لا يمكننا وصول الاثنين. ان المياه اصبحت لعنة علينا، انها العقاب الذي يعاقبنا هذا المحتل به. اتخيل نفسي كما قال ذاك الشاعر الانجليزي، كوليردج:

Water, water, every where,

And all the boards did shrink;

Water, water, every where,

Nor any drop to drink.

Auja Canal, Jordan Valley from bassam almohor on Vimeo.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s