ان تعبر النفق: رحلة على متن قطار فلسطين

بسام المهر، 5.4.2015

الواقع المضحك والمبكي: قبل اكثر من ١٠٠ عام، كان في فلسطين سكة حديد وقطار. قبل حوالي ١٠٠ عام بنى مطار قلنديا الدولي، ويمتد تاريخ ميناء يافا لأكثر من ثلاثة آلاف عام. اما اليوم، ففلسطين المقسمة والممزقة والمشتتة لا تحط فيها طائرات مدنية، ولا يستطيع ميناؤها الصغير في غزة سوى استقبال زوارق الصيادين، اما سكة الحديد فقد تفككت وسلبت ونهبت حين توقف العمل في القطار عشية حرب النكبة ووضع القطار في متحف قطارات اسرائيل في حيفا.

الخرق (النفق) في بلعا. المدخل الجنوبي. (بسام المهر)
الخرق (النفق) في بلعا. المدخل الشمالي. (بسام المهر)

شرقي مدينة طولكرم، تختبئ قرية بلعا الصغيرة بين غابات الزيتون واللوزيات، وفي الطريق المؤدي الى قرية العطارة شرق، يفاجئك مشهد غريب، طريق غير معبد بنيت جوانبه بالحجر الذي يبدو قديما تنبت فيه الاعشاب، ويلتوي قليلا الى اليسار. وعندما تسير بضعة امتار ترتسم الدهشة على وجهك عندما تشاهد فتحة نفق ضيقة ومظلمة. وقفت امام النفق احاول سماع هدير القطار وهو يخرج كالثعبان ينفث دخانه الابيض كثيفا ويلتف حول الطريق مكملا سيره الى سيلة الظهر وعرابة وبرقين وجنين والعفولة ومجدو وصولا الى حيفا. هذا النفق الوحيد في فلسطين بطول ٢٢٠ مترا، كان جزءا من الخط العسكري العثماني الذي كان يصل من شمال سيناء مرورا بالعوجا جنوب النقب، وبئر السبع ويستمر شمالا ليصل القدس مرورا ببتير، ويعود الى الغرب ليصل الرملة واللد وشمالا الى طولكرم ومن ثم الى نابلس والمسعودية غرب سبسطية ومرورا بنفق بلعا الى سيلة الظهر حيث يرتبط هناك بخط سكة حديد الحجاز الى حيفا غربا وبيسان ودرعا ودمشق شرقا وشمالا. لقد بنيت سكة حديد الحجاز في عهد السلطان عبد الحميد الثاني والتي بدأ العمل بها في العام ١٩٠٠.

في قرية بلعا غرب “الخرق” كما يسمونه اهل البلد، لا زال ابو رايق، 79 عاما، يتذكر هدير القطار عندما يمر من قرب القرية، ويتذكر لونه وطوله وشكله: “القطار عبارة عن “فراكين” (عربات) مشبوكين ببعض، و”الفركون” الاول هو الموتور. كان يمر يوميا من هنا، احيانا يحمل المواشي واحيانا البضاعة واحيانا الركاب. كان القطار يطول ويقصر، احيانا 3 او ٥ فراكين واحيانا ٧ فراكين، حسب الحمولة. كان لونه بني تقريبا، وصوته عالي. لم اركب القطار مطلقا.”

ابو الرايق. بلعا. (بسام المهر)
ابو الرايق. بلعا. (بسام المهر)

تقسم الوطن الى ثلاثة دويلات، وضاعت معه وسائل المواصلات، يا للسخرية. مطار اللد اصبح محرما لنا، واغلق مطار قلنديا الى الابد، وتوقفت شركة سكة حديد فلسطين عام النكبة عندما انقسم الوطن الى ثلاثة اقسام. فجأة وجدنا انفسنا تحت الادارة المصرية في قطاع غزة، وتحت الادارة الاردنية في الضفة، وتحت احتلال اسرائيلي فيما تبقى من فلسطين.

كيف يمكن لشركة قطارات ان تعمل عبر الحدود؟

كيف سيكون شكل الحاجز؟ سينزل جميع من في القطار للتفتيش كل مرة سيقطع القطار فيها الحدود: في ايرز مرة، وبعد نصف ساعة في المالحة او الولجة او قبلها في بتير عندما يدخل القدس، وعندما يدخل الى طولكرم قادما من اللد، وعندما يخرج من الضفة في شمال غرب جنين متجها الى حيفا. قد يعمل القطار جيدا في رحلة عبر الحدود، لسياح يبحثون عن متعة عدم حرية الحركة.

غمرتني متعة وانا اعبر نفق القطار في بلعا في سيارتي الخاصة، لقد كانت المرة الاولى التي اعبر نفقا قديما بني لسبب واحد وهو خط قطار عادي، لا يعني شيئا سوى الحاجة الهندسية، ولا يوجد عليه اية كاميرات مراقبة وحواجز عسكرية واسلاك شائكة وابراج مراقبة بأسلحة رشاشة، وخوف.

يوجد العديد من الانفاق في فلسطين بنيت بسبب الفصل العنصري، مثلا كي لا يقطع الفلسطينيين شارع ٤٤٣ غربي رام الله، وفي قلقيلية بني نفق ليصل بين المدينة والقرى الجنوبية ويتفادي الجدار العنصري، والسير على شارع ٥٥، وهناك انفاق بنيت بسبب الحصار الخانق في غزة… وغيرها الكثير.

نفق بلعا، المدخل الجنوبي. (بسام المهر)
نفق بلعا، المدخل الجنوبي. (بسام المهر)

انا اريد ان اركب قطارا من عرب الهذالين في جنوب يطا عند الصباح الى بيت لحم كي ازور اصدقاء لي عند الدير، وعند الظهيرة اركب القطار المتجه شمالا باتجاه القدس واسلّم على اصدقاء لي في بيت صفافا، ماريا وعادل وابو رامي، واصل رام الله عند الساعة الثالثة كي آخذ ابني من المدرسة، ومن ثم اكمل من محطة المنارة باتجاه الشمال لينزل القطار متثاقلا عبر الهضاب الجبلية الى سلفيت ومنها باتجاه نابلس وغربا الى طولكرم لأنزل اقدم تحيتي لمأمون ومن ثم اكمل مع قطاري ليغير اتجاهه الى الشمال الشرقي باتجاه يعبد ومن ثم الى جنين. واذا سمح لي الوقت، اريد ان اكمل رحلتي الى الناصرة، وطبريا وفي منتصف الليل الى مجدل شمس اذا وجدت قطارا متجها الى هناك في ساعة متأخرة من الليل حيث سأجد بار الواي مفتوحا لاحتساء بعض النبيذ.

ابتسم ابو الرايق عندما سألته ان كان يرغب برؤية القطار يشق طريقه عبر هضاب بلعا ويعبر ذلك النفق او الخرق كما يسمونه. “لم يعد هناك متسعا من الوقت لي كي ارى ذلك يتحقق،هذا سيكون ضربا من المستحيل، او معجزة من علامات يوم القيامة،” قالها بحسرة وذهب الى الجامع ليصلي العصر.

الخرق في بلعا، شرقي طولكرم. المدخل الجنوبي. (بسام المهر)
الخرق في بلعا، شرقي طولكرم. المدخل الشمالي. (بسام المهر)

اقرأها بالعبرية هنا

Advertisements

One thought on “ان تعبر النفق: رحلة على متن قطار فلسطين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s