بين رام الله والقدس تكثر الحكايا

كنت اعمل في حديقة بيتي، وفجأة رفعت رأسي ورأيت الرب يقف بجانبي. لقد تحدثت معه، قلت له، يا ربي، انا لست مرتاحة، ابدا.” قالت لي السيدة لين التي تجلس بجانبي في الباص رقم ١٩ المتجه من القدس الى رام الله.

كان ذلك اليوم غريبا بعض الشيء، احيانا تتشابه الاحداث وكأن هناك مخرج يراقب ويحرك الاحداث تبعا للسيناريو الذي كتبه. في الصباح التقيت مع دافني*، امرأة في الثلاثينات من عمرها من تل ابيب، وشربنا القهوة في شارع مأمن الله في القدس. تحدثني عن مآسي اللاجئين، المشردين، العمال، والاطفال الفلسطينيين الذين يعيشون في جنوب تل ابيب. يأتون الى تل ابيب من الضفة الغربية للبحث عن عمل، ولكن ينتهي بهم المطاف عرضة للاستغلال بكل اشكاله وخاصة الاستغلال الجنسي والمخدرات. تحدثني عن العديد من الاطفال بسن الرابعة عشر والخامسة عشر، يعيشون في بنايات غير مأهولة او في طور البناء، يعيشون حياة لا تشبه حياة البشر، هم يبحثون عن اي شيء كي يمضوا به حياتهم، هم معرضون للمخدرات والجنس والعنف في سبيل البقاء. تخبرني دافني بذلك وهي ترتجف، لا تستطيع التعبير عن الالم بداخلها بالكلمات، تعبر عنه بنظرات الحسرة والخوف.

748A3245

السيدة لين امريكية في السبعين من عمرها، تدرّس في مدرسة خاصة في القدس الشرقية، وتعيش لوحدها في بيت حنينا. التقيتها في محطة الباص عند الظهر وبسرعة تحدثت الى عندما كنت اسأل عن الباص المتجه الى رام الله. “انت تتكلم العربية!” “نعم يا سيدتي، اتكلم العربية.” “من اين انت؟” “انا من هنا.” “حقا؟!”

حدثتني السيدة لين كيف جاءت الى القدس من السويد حيث كانت تعيش مع ابنها هناك.. حدثتني عن موت ابنها الثاني وهو في الرابعة والثلاثين من العمر، انضم ابنها الى جمعية ماسونية وتعرض بعدها لحادث ومات على الفور. حدثتني عن الم فراق ابنها، حدثتني عن حياتها في ستوكهولم، وبرلين وآخن حيث كان يعمل زوجها السابق هناك. اخرجت حاسوبها اللوحي واطلعتني على صورة ابنها الفقيد. حدثتني لين عن ايمانها العميق بالله والدين وكيف انها تستمد قوتها من الرب الذي حماها رغم ابتعادها عن وطنها وفقدان ابنها،وطلاقها مرتين. اخرجت من حقيبتها نشرة عن حب السيد المسيح واعتذرت انها لا تنوي تحويلي الى الدين المسيحي، ولكنها ستشعر بالسعادة اذا اخذته منها.

لا يوجد لدي مشكلة، سآخذ النشرة واقرأها، سأفكر في هاتين المرأتين، التقي بهن لأول مرة، امرأة اسرائيلية تحدثني عن عذابات البشر، وامرأة امريكية تحدثني عن عذابات نفسها، وحياتها المحفوظة في كمبيوتر لوحي. دافني تفكر كيف تساعد هؤلاء البؤساء، الاطفال الفلسطينيين في تل ابيب، والسيدة لين تحدثني عن اطفالها التي تدرسهم في المدرسة، كم هم محظوظون بوجودهم في مدرسة خاصة توفر لهم كافة الامكانيات لرسم مستقبلهم، والتمتع بوقتهم والابحار في بحور المعرفة.

من احد الامور الايجابية من وراء منع اسرائيل فلسطينيي الضفة من قيادة سياراتهم الخاصة في اسرائيل هو استخدام وسائل المواصلات العامة، الباص. في الباص هناك حياة اجتماعية كاملة، وخصوصا اننا بعكس العالم الآخر، العالم الذي يقرأ في كل مكان عندما يجد نفسه لوحده، مثل الانتظار لدى طبيب الاسنان، او عند ركوب مترو الانفاق وغيرها. نحن فضوليون، نرغب كثيرا بالحديث في الباص، والنظر الى جميع الركاب، والتحدث الى الشخص الجالس بجانبنا. نتعرف عليه/ـا، نعرف اخبار البلد الذي ينتمي اليه/ـا، نكتسب خبرات من اشخاص حولنا، وثقافات اخرى. الحياة الاجتماعية مهمة جدا بالنسبة لنا. انا لا افهم، هم (في العالم الغربي) يضعون المقاعد مقابل بعضها في الباصات والقطارات، ورغم ذلك لا احد يتحدث مع احد، الكل يضع سماعات في اذنيه ويمسك هاتفه الذكي ويتصفح او يقرأ الجريدة او كتابا.

في رام الله التقي مع خالد في مقهى زمن. خالد هذا اليوم في مزاج سيء، تلقى للتو جوابا من القنصلية الامريكية برفض طلبه فيزا الى امريكا. “انا اكره الحدود وجوازات السفر، انا اكره السفارات والقنصليات ومكاتب السياحة والسفر، انا اكره الجنسيات والقوميات والوطنيات وكافة اجناس البشر.” يحدثني خالد عن رفض الادارة المدنية منحه تصريح دخول الى اسرائيل، كان يريد الذهاب الى حيفا لزيارة بعض الاصدقاء والتمتع بنسيم الربيع على الساحل. “كيف لي ان ازور الساحل؟يسألني خالد والاحباط يغطي حاجبيه، يا صديقي، تبلغ اطوال الشريط الساحلي على الكرة الارضية اكثر من 800 الف كيلومتر، وانا لا يسمح لي برؤية متر واحد فقط. انا لا افهم، اكثر من 70٪ من الكرة الارضية ماء وانا لا املك شيئا من هذا.”

اعود في المساء ماشيا الى بيتي يلفني التعب، افكر عميقا بكل الذين التقيتهم واسترجع همومهم، دافني ولين وخالد. لكل انسان على هذا العالم همّ او هموم تشغل باله، ويحاول الحديث عنها. اعطوني همومكم، فكلي آذان صاغية!!

*الاسماء في هذه المقالة وهمية.

اقرأها بالعبرية هنا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s