يوميات دراجة نارية (2)

بسام المهر

ان تقود دراجة في فلسطين مشكلة. سوف تقتلك، ستتكسر ان وقعت، لن يستطيعوا اخراج رأسك من الخوذة، سيسيل دماغك فيها، لم ينج احد من حادث دراجة… الى ما هنالك من الاقوال والمشاهدات والحوادث التي يحدثك بها كل من يراك، او يتحدث معك او يعرف انك تقود دراجة، من عائلتك، اصدقائك، معارفك، زملائك، وحتى الد اعدائك. كلهم يقولون لك انك تخاطر بحياتك. كلهم اصبحت تهمهم حياتك، كلهم يحبونك ويريدونك سليما.

هذه ليست المشكلة.

cropped-748a6605.jpg

المشكلة يا صديقي في الاحتلال. كل ما يقال لا يهم، كل ما يقولونه لا يهم، المهم في الموضوع انك تقود دراجة، ولكن الى اين؟

الى اين في هذه الارض الضيقة؟ الى اين يمكنني ان اقود دراجتي؟ اين يمكنني ان اذهب واتمتع بروعة وحرية قيادة الدراجة وهذا البلد مكبل، ومقسم وكله الغام؟

كل الشوارع “المشتركة” خطرة ولن اجازف ان اسير عليها. الكثير من الحواجز العسكرية الاسرائيلية نصبت في كل مكان في هذه الطرق منذ بداية هذه الهبة او الانتفاضة ومنذ بداية هذا الاحتلال الجاثم على صدورنا. وليس هناك اسهل من هدف متحرك على دراجة نارية. لا، لا اريد ان اسير عليها.

اذن، اين اقود دراجتي؟ انتظر يوم الجمعة والسبت بفارغ الصبر، واقول ان الامور ستكون اسهل في الجمعة المقبلة كي اذهب حتى اقصى الشمال على دراجتي، او الى اقصى الجنوب. في المساء، تسمع اخبار القتل والطعن والدهس.

كيف يمكن اذن ان تقطع مسافة ١٢٤ كلم في جبال رام الله بدون ان تصطدم بأي حاجز عسكري اسرائيلي، وتتجنب ويلات التفتيش والخوف او القنص؟

اركب دراجتك واتبعني.

من رام الله التحتى سر حتى نهاية شارع الطيرة ومن هناك استمر حتى نهاية المنحدر الذي يؤدي الى قرية عين كينيا. انعطف يمينا واسلك شارع ٤٦٣ الذي كان يربط مستوطنة دولف غرب رام الله، بمستوطنة بيت ايل شمال شرق البيرة، الى ان هجره الاسرائيليون وسلموه لنا. في منتصف هذا الطريق، وبين بيارات الزيتون دائمة الخضرة، انعطف شمالا لترتبط بشارع حي الريحان الجديد، شمال المدينة، هنا، انت في الضواحي، حي جديد، وشوارع جديدة، بنايات متشابهة متراصة وكاميرات، وفلل وعالم آخر. المكان هادئ جدا، عدا بعض اصوات الآليات التي تعمل هنا وهناك. في صباح الجمعة، لا يوجد احد، لا اطفال يلعبون، لا سيارات تعم المكان ذاهبة الى اعمالها، لا حياة. في صباح بارد، اشعر بالدفء كوني الوحيد الذي يستمتع بقيادة دراجة نارية بسرعة في شارع جديد.

من الريحان عد واسلك نفس الشارع حتى نهايته التي ترتبط بشارع بيرزيت رام الله، عند جبل النجمة، اقطع الشارع وادخل الشارع الجديد ايضا المؤدي الي ضاحية الغدير الجميلة الجديدة الهادئة التي تحتضنها التلال. العشرات من العمارات السكنية – المتشابهة – تحتل المكان، وتنعم فيه بالهدوء. وقبل وصولك الضاحية الهادئة، انعطف يسارا في الطريق الجميل الهادئ الى قرية ابو قش القديمة. حارات القرية وشوارعها الضيقة وصوت دجاجاتها واغنامها يشعرني بالطمأنينة.

في نهاية الشارع، تصل مرة اخرى الى شارع بيرزيت رام الله، انعطف يمينا، باتجاه قرية بيرزيت. وفي اسفل التلة التي تقع عليها قرية بيرزيت، يبهرك منظر البنايات الجميلة في تلة منخفضة وهادئة تقع جامعة بيرزيت. جامعتي، الجامعة العريقة التي خرجت الآلاف من الفلسطينيين منذ العام ١٩٢٤.

نبتعد قليلا عن الجامعة لنصل قرية بيرزيت التاريخية، والتي تضم خليطا من المسلمين والمسيحيين، تسير في ازقة البلدة القديمة لتشعر كأنك في حواري الخليل، وتسمع اصوات اجراس كنائسها لتشعر انك في حي من احياء الناصرة. نقطع البلدة الصغيرة باتجاه الشرق الى قرية جفنا، ايضا القرية المسلمة المسيحية. لا زال العمل في جزء من الشارع مغلق بسبب اعمال التعبيد، ولكن ليست مشكلة لدراجة. في هذه القرية، هناك العديد من المطاعم الصيفية بحدائقها الجميلة ومشاويها الرائعة.

استمر المسير باتجاه الشمال الشرقي لتصل الى قرية عين سينيا، القرية التي سكنها عبد القادر الحسيني ولا زال بيته الواسع قائما هناك (اتمنى ان يصبح مزارا او متحفا في يوم من الايام).

هنا، انت تسير على شارع القدس نابلس القديم، او شارع ٦٠ بعد احتلال الضفة العام ١٩٦٧. هذا الشارع العريق الذي ربط شمال فلسطين بجنوبها، اصبح الآن شارعا فرعيا. في هذا الشارع، خذ الى اليمين وسر الى الجنوب، حتى تصل قرية دورا القرع، هذه القرية التي حدثتكم عنها في السابق، بقصورها الغناء. امر لا يصدق كيف يستطيع بعض الاشخاص بناء بيوتهم بهذه الطريقة الخيالية.

انعطف يسارا، باتجاه الشرق، من منتصف البلدة، واستمر بالسير في هذا الطريق المتعرج جدا – لا يوجد طريق مستقيم في فلسطين، لا يمكن ذلك – واصعد الى عين يبرود، في هذه البلدة شارع رئيسي عريض، ولكن لا يمكن السير بسرعة مطلقا. عند وصولك المسجد في نهاية صعودك التلة في هذه القرية – الغالبية العظمى من قرى رام الله تقع على قمم التلال – انعطف يسارا في الشارع العريض المليء بالمطبات. يصلك هذا الشارع بقرية اخرى جميلة وقديمة وهادئة، قرية بيتين التي تقع مباشرة شرق رام الله-البيرة والتي يفصلها عن المدينة مسافة ١ كلم وحاجز بيت ايل، او حاجز DCO المشؤوم او حاجز الـ VIP. لا يستطيع اهل هذه القرية وصول رام الله عن طريق هذا الحاجز، عليهم الالتفاف بعيدا عنه. سمعت مؤخرا انهم اعادوا فتحه لاهالي القرية بعد اغلاق دام اكثر من ١٥ عاما، ولكني لم اتأكد من الامر.

عند وصولك نهاية الشارع وقبل ان تنحدر باتجاه رام الله عبر حاجز الدي سي او، انعطف يسارا، الى الجنوب، الى قرية اخرى في هذا الشرق الجميل.

انها قرى صغيرة ولكنها ممتدة بشكل طبيعي جميل، الامتداد الطبيعي للاشياء، المسار الطبيعي للاشياء دون تدخل “التخطيط الحديث للمدينة”. انه كما الغابة الطبيعية، يمتد اصحاب هذه الارض وابناؤها كيفما يشاؤون. ولكن هذا الامتداد يتوقف عندما يصطدم بالشارع “الالتفافي” رقم ٦٠. سمح لنا الاسرائيلي ببناء نفق صغير تحت شارع ٦٠ كي نعبر منه لنصل الى القرية الغنية دير دبوان، او كما يسميها بعض اهلها، دي دي.

لم اتأكد من الامر، ولكن سمعت ان الغالبية العظمى من اهل هذه الديار هم من اصحاب الجنسيات الامريكية، ولهذا يبدو الغنى واضحا في هذه القرية. شارع عريض بمسارين في كل اتجاه ومزروع بالنخيل في منتصفه. البلد نظيفة وهناك العديد العديد من السقوف القرميدية الحمراء الكبيرة جدا. انها ليست بيوت، انها قصور، بهندستها المعقدة، وزخرفتها المتنوعة. في داخل البلدة لا زال معظم الناس نائمون. في منتصف البلدة، عند الجامع، تصطف العديد من الكراسي على جانبي الشارع، وقبل موعد الظهيرة، او صلاة الجمعة، يتجمع رجال القرية، ووجهائها ويجلسون مقابل بعضهم البعض على حافتي الشارع، تاركين المجال مفتوحا للسيارات كي تمر.

بين الزقاق بعد الجامع تنعطف يمينا لتسير باتجاه الشرق، وهنا يسحرك المنظر الأخاذ. انك تطل على غور الاردن بجمال جباله الرائعة. تسير وانت لا تستطيع التركيز بعيدا عن هذا المشهد الى اسفل الوادي، وهناك تنعطف شمالا وصعودا الى قرية اخرى اصحابها ايضا هاجر الكثير منهم الى بلاد العم سام. انها رمون، التي تستقبلك بقصورها الشامخة، القصور الحديثة التي بنيت مؤخرا او التي في طور البناء. اتمنى ان تبقى هذه البيوت حتى بعد ٢٠٠ عام، لكي يتم الحفاظ عليها وتصبح محمية كمباني أثرية!!

بعد كل هذا المسير، لم اتوقف حتى الآن، صوت المحرك يرن في رأسي، صوتي اسمعه جيدا داخل الخوذة، وصوت الريح يطغى على كل شيء، فالخوذة ليست محكمة الاغلاق بشكل كامل.

تسير في شارع رمون الرئيسي تنظر الى كل هذه البيوت والبنايات والفلل، ولكن القليل القليل من القرووين لا زالوا نائمين، فالساعة لم تتجاوز التاسعة كثيرا في يوم الجمعة. دعهم ينامون، انه اليوم الذي يرتاح فيه الاله.

تخرج من رمون بصعود باتجاه الشمال، وتخرج منها ايضا تودعك القصور الضخمة ذات القرميد الاحمر والازرق ايضا.

وعند اعلى التلة، لا بد ان تقف، وتنظر الى الشرق، لتتمتع بجمال غور الاردن. كيف لهذا الغور ان يتشكل، وكيف لبحره الميت ان يتبخر كل هذا التبخر رغم انه اخفض بقاع الارض؟

لم يعد في نهر الاردن ماء يغذي البحر الميت. حولت اسرائيل مياه النهر جنوب بحيرة طبريا الى مركزها ووسطها وجنوبها، فالصناعة والزراعة تحتاج الى كل هذا الماء، ولم يعد باستطاعة البحر الميت الا ان يموت.

تنظر باتجاه الشمال وترى قرية جميلة عميقة في القدم، تتخللها ابراج الكنائس، وفي منتصفها بلدة قديمة وازقة عتيقة وعبق فلسطيني. انها الطيبة. فيها اول مصنع للبيرة، بيرة طيبة اللذيذة المذاق، ومهرجان اكتوبر فيست. فيها الزيتون العريق الروماني، ومنها ان انعطفت الى اليمين، تأخذ الطريق عبر جبال غور الاردن الأخاذة الى الغور ومدينة اريحا، عبر طريق قديمة جدا تسمى المعرجات.

وان انعطفت يسارا، تصل الى القرية الشقيقة دير جرير، لا اعرف بالضبط من اين اتت التسمية، دير جرير، هل كان هناك دير مسيحي مثلا، ام انها دار جرير؟ وهنا لا لبس في الاسم. الاهم انها قرية مرتفعة ترتفع حوالي ٩٠٠ م عن سطح البحر، والى الشرق اقامت اسرائيل مستوطنة كوخاف هشاخر على اراضيها، وايضا الى الطريق المؤدي الى الشرق، هناك معسكر للجيش الاسرائيلي ومحطة رادارات.

تستمر السير في الطريق الرئيسي حتى تخرج من البلدة وتمر بمحاذاة مستوطنة عوفرا، وبدل الانعطاف الى اليسار باتجاه المستوطنة، انعطف يمينا الى قرية صغيرة وغنية تعيش على اعلى القمة ومليئة بشجر الزيتون، انها المزرعة الشرقية.

نعم، غنية ففيها تشاهد ايضا القرميد الاحمر والشوارع العريضة. في منتصف البلدة، انعطف يمينا باتجاه الشرق لتنحدر شديدا من اعلى التلة باتجاه الشمال الشرقي.

ينعش الهواء البارد جسمك، فتتخيل انك تطير على دراجتك، لا تسير.

في نهاية المنحدر، سهل صغير جميل، جذاب، مليء بالزيتون. تصلك هذه الطريق الى خربة ابو فلاح. قرية اخرى في اسفل الوادي تمتد بامتداد الشارع، وعند وصولك الشارع الرئيسي للبلد، ان انعطفت يمينا تصل الى قرية كفر مالك الجميلة، المطلة، وان انعطفت يسارا تصل الى قرية غنية اخرى في هذا المسار، انها ترمس عيا.

تحتار في اسماء هذه البلاد، من اين جاءت، كيف جاءت، كيف تحولت؟ لا احد لديه الجواب الاكيد على اصل الاسم. بعض المؤرخين يقولون ان الاسم مشتق من اليونانية Terra Messiah، اي ارض المسيح. لا ادري. عندما امر عبر ترمس عيا، اتذكر الترمس اللذيذ مع بيرة طيبة الشهية. في هذه البلد ايضا نادي الفروسية الاول في فلسطين. تقع قرية ترمس عيا اسفل التلال ويحيطها الى الشرق سهل خصب، وواسع، يسيطر على اجزائه الشرقية مستوطنة يهودية اسمها شيلو، ليستمر الاحتقان طالما كان وجودهم مستمرا على هذه الارض. تنتهي هذه القرية بشاريع عريض ذو مسربين بكلا الاتجاهين في وسطه اشجار نخيل شاهقة، وجميلة لينتهي بالشارع رقم ٦٠، والذي اتجنب السير عليه خوفا من اصحاب البنادق الامريكية والاحتلال البغيض.

هنا ينتهي نصف المسار. هنا قطعنا مسافة ٦٢ كلم.

النصف الآخر في العودة الى رام الله. هنا ايضا حكايات اخرى، هنا ترى الوجه الاخر للطريق، هنا تصعد المنحدر، وتنحدر الجبل، هنا ترى الى الغرب والى الجنوب، هنا تجد مكانا آخر، وقتا اخر وعالما اخر، و٦٢ كلم اخرى. تمر من ترمس عيا، الى خربة ابو فلاح، ومن ثم الى المزرعة الشرقية، فدير جرير، والطيبة ورمون، ودير دبوان – دي دي، وبيتين، وعين يبرود ودورا القرع، وعين سينيا، وجفنا، وبيرزيت، وابو قش، وضاحية الغدير فضاحية الريحان فعين كينيا، واخيرا رام الله التحتا.

 

– انتهى –

Advertisements

One thought on “يوميات دراجة نارية (2)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s