يوميات دراجة نارية (6)

بسام المهر

٨ تموز ٢٠١٦

فلتت مني شهقة حين عبرنا المنعطف الاول، وارتج لساني ومقود السيارة في يدي. وهتفت بزملائي الذين كانوا معي في السيارة: عشرين عاما وأنا أحلم بهذه المنعطفات اللولبية. هذه الطلعة لم تغب عن ذاكرتي يوما واحدا. إني أتذكر كل منعطف فيها. هي اربعة فعدوها. وهذه الجبال المشرئبة تحرس السهل الاخضر. هي عشرة فعدوها. وهذا الهواء النقي، هذا الاريج أعرفه. إني استنشق رائحة رافقتني طول العمر. هذا المكان مكاني![1]

01قبل ٤٨ سنة، بعد عام على احتلال إسرائيل للضفة الغربية، كتب اميل حبيبي هذه السطور عن منعطفات اللبن. وبعد ٤٨ سنة لا زلت اشعر بنفس ما شعر به الروائي الكبير. اشعر بالحنين ولكن أيضا بالغربة وانا امرّ من منعطفات اللبن الشهيرة، اللولبية الخضراء الزاهية، وهذه التلال التي تحرس السهل الأخضر في الأسفل.

لقد أصبحت الطريق الرئيسية التي مضى عليها مئات السنين، والتي كانت مقطعا من الطريق الواصل ما بين القدس ونابلس، أصبحت غريبة علينا، وأصبحنا دخلاء عليها، بعد ان بنت الدولة المحتلة طريقا التفافيا سريعا يتخطى الطريق الرئيسي الجميل.

يا لسخرية القدر، كيف تصبح غريبا في وطنك في مدة زمنية قصيرة جدا، في اقل من نصف حياة؟ هذه الطريق الرئيسية الخالدة كانت وحتى فترة قصيرة لا تتعدى ٢٠ عاما، طريقا رئيسية تمر بها كل وسائل النقل. احلم بركوب الباص على هذه التلال والمنعطفات القوية، اعود بالزمن ٣٥ عاما الى الوراء عندما خرجت لأول مرة من قريتي الصغيرة في منطقة جنين الى خارجها. أتذكر عودتي من القدس في باصات التميمي، وانا انظر مسحورا من المنظر الاخاذ من اعلى المنعطفات الى السهل في الأسفل. كان ذلك في العام ١٩٨٢ عندما زرت القدس لأول مرة، ولوحدي. كنت لا زلت طفلا، وقررت ان أزور القدس واتعرف على الطريق التي ستأخذني هناك. ذهلت عندما صعد الباص فينا متثاقلا ينفث دخانه الأسود خلفه صاعدا الى اعلى التلال. كانت المرة الاولى لي التي اصعد فيها الى هذا الارتفاع.

بين الفينة والأخرى، وعندما امر من تلك المنطقة، انحرف بمركبتي لاسترجع زمانا مرّ ولن يعود، اعود الى المكان الذي سحرني في طفولتي، ولو لدقائق معدودات هنَّ الزمن الذي تقطعه صعودا او نزولا في هذه المنعطفات. هذا اليوم، قررنا الانعطاف انا وزملائي الدراجين لنسلك تلك المنعطفات الأخاذة. انه شعور رائع، الشعور بالحرية الذي تمنحك إياه الدراجة النارية يتجسد هنا على هذه المنعطفات الخلابة، الشديدة صعودا الى الأعلى، ولكن لا يمكنك التمتع حتى بهذه المسافة القصيرة التي تتعدى قليلا ٣،٠٠٠ متر. هناك دائما من يراقبك، خوفا وحسدا وحقدا، يتبعك، يتربص بك، فقدت هذه الطريق بهجتها وجاذبيتها التي تميزت بها طوال تلك العصور، وأصبحت طريقا أخرى، وكأنك تقطع الغابة الممنوعة المظلمة المتاخمة لمدرسة هاجورتس، فالعديد من المخلوقات المرعبة بانتظارك: اراجوج ومخلوقات الاكرومانتولا، وجماعات القنطور، واحادي القرن والهيبوغريف وقطعان المستذئبين والكلاب ذوات الثلاث رؤوس والعمالقة ومصاصي الدماء والكثير الكثير.

حارس المستوطنة الساكنة فوق الجبل، يتبعنا. تنتهي النشوة عند اول منعطف، ويعود التوتر، ماذا تفعل، تظل تراقب في المرآة وتتابع حركات المركبة خلفك، وتنظر بتمعن الى وجه سائقها، بماذا يفكر؟

يتجاوزنا بعد منتصف المنعطف الثاني، يزول التوتر قليلا، لتلتقط انفاسك بعد ان حبستها وهو يدبدب خلفك داخل قفصه المربع. آه، لقد مرّ وتجاوزنا، لقد أدرك اننا دراجون مسالمون نمرّ من طريقنا القديمة لنتمتع بها ما دمنا أحياء، ونعود للاستمتاع قليلا بما تبقى لنا في المنعطف الثالث القصير. ولكن يبدو انه لم يدرك ذلك، عند المنعطف الرابع وامام مدخل مستوطنته، يقف بانتظارنا داخل قفصه، يراقبنا بعيون حذرة وربما بأصبع على الزناد. “هؤلاء الغرباء الأعداء الدخلاء ماذا يفعلون هنا،” يفكر هذا المستوطن.

[1]اميل حبيبي. وأخيرا نوّر اللوز، سداسية الأيام الستة. دار الجليل للطباعة والنشر، منظمة التحرير الفلسطينية، دائرة الإعلام والثقافة، الطبعة الثالثة، 1984.

اقرأها بالعبرية هنا

Advertisements

One thought on “يوميات دراجة نارية (6)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s