يوميات دراجة نارية (٨)

بسام المهر

قمران

N31° 44.49’ E35° 27.594’

١٢ آب ٢٠١٦

على ضفاف البحر الميت تقع قرية عتيقة التجأت اليها قبيلة تركت الحياة وصخبها في الأعلى ونزلت الى اخفض بقعة على الأرض، وكأنها نزلت الى باطن الأرض، حيث يعيش هيدز، ملك العالم السفلي. اعتزلت الحياة وعاشت حياة التقشف والتطهر، وكتب قوانينها على لفائف لفتها بعناية وخبأتها في بطن الجبل حتى وجدناها بعد الفي عام.

IMG_6896
كهوف قمران حيث وجدت المخطوطات. بسام المهر

وصلنا قمران منتصف النهار، حيث اشتدت درجة الحرارة، وارتفعت الى اقصى حد في هذا الوقت من السنة. يعم الهدوء موقف السيارات، لا مركبات هناك سوى حافلة يغط سائقها في نوم عميق تحت الهواء المنعش داخل حافلته. ركنا دراجاتنا الثلاثة في موقف مركبة واحدة كي لا نأخذ مساحة كبيرة. ترجلنا وتوجهنا الى الظل مرورا برجل الأمن الحارس، كان يجلس على المدخل تحت الظل، يصارع النوم، يجلس على كرسيه وقدماه ممدودتان ورأسه ملقى الى الوراء، ويلبس نظارة شمسية كبيرة تخفي نصف وجهه. اومأت له بالتحية ولكنه لم يجب.

جلسنا ثلاثتنا قرب شباك التذاكر، نأكل بعض التفاح والفواكه، نتحدث قليلا الى ان قطع حديثنا حارس الامن الذي أفاق من نومه ليجد ثلاث دراجات ذات لوحات غريبة امامه، ليست من هذه البلاد، لوحات وكأنها فضائية. انتفض قائما، وكأنه أصابه مس من الشيطان، انطلق نحو الدراجات، تفحصها وبدأ بالحديث الى جهازه اللاسلكي، “ثلاث دراجات تحمل لوحات فلسطينية رقم ٦٩…..٣٣ و ٤٨…..٦٥ و ٦٤……٣٠. توجه نحو عمر، “تعال معي اريد ان افحص دراجتك، افتح الحقيبة، خذ دراجتك وضعها فوق الرصيف هناك.” عاد الينا، لا زال يتحدث عبر جهازه اللاسلكي مكررا ارقام اللوحات، وطالبا منا ان نزيل دراجاتنا ونضعها فوق الرصيف، “هذه مواقف للباصات السياحية وليست للدراجات، ضعوا دراجاتكم فوق الرصيف،” أمرنا بعبريته الروسية.

IMG_6884
مدخل تل قمران. بسام المهر

السيدة خلف زجاج شباك التذاكر تبتسم لنا، “٢٩ شيكلا ثمن التذكرة، ولا يوجد بروشور عن قمران بالعربية، لا يأتينا عرب هنا، انتم اول الزائرين، ولكن الفيلم في الداخل مترجم للعربية” ولا زالت تبتسم. “بإمكانكم ترك خوذكم ومعاطفكم هنا، سأبقي نظري عليها،” اضافت بإعجاب. يا الهي، نحن مرحب بنا هنا، في هذا المكان الذي يديره الإسرائيليون!

يشتد وهج الشمس لهيبا في هذه البقعة المنخفضة التي تصل الى ٣٢٠ مترا تحت سطح البحر. هناك سيدة وحيدة تضع قبعة كبيرة تحميها من الشمس، تمشي أمامنا وتتأمل هذه الحمامات التي رممت بعناية مبالغ فيها. “هذه القرية رممت بعناية فائقة حتى أصبحت تبدو غير اثرية، وكأنها بنيت امس،” قلت لها، ووافقتني بشدة. “انتم قادمون من الأردن على دراجاتكم، اليس كذلك؟” “من الأردن؟ كيف ولماذا يا سيدتي؟ نحن من هذه البلاد، من رام الله بالتحديد.”

لا استطيع ان اعرف لماذا تخيلت هذه المرأة الإسرائيلية اننا من الأردن؟ هل السبب يعود الى اننا الآن موجودون في غور الأردن؟

تال تزور قمران مع عائلتها، وتسكن على الساحل قرب نتانيا، تحدثنا قليلا وعرفتنا على عائلتها، ايشاي في الخمسينات، واولادهم الثلاثة.

IMG_6886
تال. بسام المهر

“لماذا لا تزورون الساحل،” يسأل ايشاي، “لماذا لا تذهبون الى الاردن بدراجاتكم؟ انها هناك قريبة، لماذا لا تأتون معنا، نحن ننزل في فندق قريب في عين جدي، انضموا الينا لنتناول الغداء سويا.” لا يعرف الإسرائيليون شيئا عن واقع الحياة التي يعيشها قرابة خمسة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. لا يعرفون أشياء تبدو جدا بديهية وطبيعية ولا سؤال فيها. لماذا سيتوقع الإسرائيليون ان حرية الحركة مقيدة جدا لدرجة الملل هنا؟ لماذا سيتوقع الإسرائيلي الذي يعيش منغمسا في الساحل بعيدا جدا ودائرا ظهره، ان هناك خمسة ملايين فلسطيني تحت الاحتلال لا يملكون حرية حركتهم وهواء بلادهم وحدود ارضهم ومفتاح بيتهم؟ عندما اجبت ايشاي عن اسئلته اننا نعيش تحت احتلالكم لم يفهم ماذا تعني هذه الكلمة؟ لم يستطع الربط بين الاحتلال وحرية الحركة والحواجز العسكرية التي يبدو انهم لا يرونها. هل يجب علي ان اغضب؟ لا أدرى، أحزن كثيرا، او اضحك من السخرية.

اقرأها بالعبرية هنا

Advertisements

One thought on “يوميات دراجة نارية (٨)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s