غزة

بسام المهر

21/8/2017

لا يمكنني الكتابة عن غزة، لا أدرى ماذا أقول، لا أدرى، انها تشبه كل المدن الساحلية، حارة مع رطوبة عالية، وجو صافي، ومسطح مستوي، بدون مرتفعات او منخفضات، شوارع عريضة واحياء مربعة، وعمارات شاهقة، وشاليهات ومقاهي بحرية ورمال في كل مكان. الشاطئ يمتد على مسافات شاسعة بدون صخور، والشارع الساحلي يمتد من الشمال الى الجنوب. غزة مدينة تشبه نفسها وتشبه كل المدن، اناسها طيبون، يضحكون ويمزحون ويغنون ويفرحون. الكثير من المنغصات في كل مكان، ولكن يبقى للفرح مكان في قلوب الغزيين، انهم يحتفلون بزواج أبنائهم وبناتهم، يرقصون ويطلقون ابواق السيارات ابتهاجا.

01
نفق إيرز على حدود غزة الشمالية، ١٠٠٠ متر، ١٥ دقيقة مشيا على الأقدام او تركب التوكتوك.

يسألني الأصدقاء باستغراب، كيف هي غزة؟ كيف تستطيع ان تمكث هناك، الا تخاف؟ هل جننت؟ ان الذهاب الى غزة أخطر من قيادة دراجتك النارية، هناك الحصار والحرب والدمار والتلوث. هل اكلت سمك البحر؟ ان بحرهم ملوث. هل سمحت لك حماس بالدخول؟ هل استجوبوك؟ كيف يعيشون؟ هل تجد الخضار والفاكهة والمأكولات الأخرى في بقالاتهم؟ كيف يعيشون بدون كهرباء؟ نعم أيها الاصدقاء، ان اهل غزة “مثلنا”، يأكلون وينامون ويحبون ويفرحون ولديهم كل ما تشتهي الانفس، وبحرهم ملوث ولديهم سمك، وحصار وحرب، وحماس، ولديهم مزارع وبيوت ومقاهي، ويتحايلون على الكهرباء من مصادر متعددة: من إسرائيل، والمولد والبطارية والشمس. في الشطر الآخر من هذا الوطن الممزق (ما يسمى بالضفة الغربية)، نحن نعيش في واقع مختلف ولا نعرف عنهم شيئا. شعرت عندما عدت الى رام الله من غزة وكأني عدت من سفر بعيد، حيث زارني الأصدقاء ليسمعوا الأحاديث عن غزة. شعرت وكأني رحالة في القرون الوسطى عاد لتوه من الحج في مكة.

02 copy
برج المراقبة على الشاطئ جنوب مدينة غزة: المياه ملوثة. ينصح بعدم السباحة في هذا المكان.

ما الفرق بين السفر خارج البلاد والسفر نحو غزة. في كلتا الحالتين تحتاج الى تصريح، وفي كلتا الحالتين تمر عبر حواجز الحدود، وفي كلتا الحالتين تحمل حقيبة سفرك واوراقك الثبوتية وتمكث في فندق. السفر الى غزة هو السفر خارج البلاد. سألني جارنا في رام الله، لم أرك هذا الأسبوع هنا، هل كنت مسافرا؟ نعم، كنت في غزة!

04
دير البلح – اللوحة الاولى من اليمين تقرأ: بحرنا ملوث واحنا الضحية. بدنا بحرنا يعكس لون سمانا. صرنا نشتاق للشتا صيفنا مات. احنا مش محبطين. احنا واقعيين.

اثنان من الأصدقاء في رام الله قضوا شهر العسل في غزة عندما تزوجوا في بداية السبعينات. كانت غزة ملاذا آمنا، مدينة عربية خالصة، مدينة ساحلية فيها كل ما تشتهي الانفس، الاحياء الساحلية الجميلة والبيوت الدافئة. انها مدينة متوسطية عريقة، تشبه مدن البحر المتوسط الأخرى، أثينا وبيروت والإسكندرية وانطاليا، وبرشلونة والجزائر. واليوم، لا يذهب أحد الى غزة الا ان كان لديه عمل رسمي، او نُفي اليها، او حالة طوارئ ان أسعفه الحظ واستطاع الخروج او الدخول.

03
ميناء غزة
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s