ملحوظات من غزة

بسام المهر

٢٣ أغسطس ٢٠١٧

  1. سألت زميلي من غزة، هل لديكم ثلاجة، بما ان الكهرباء تأتي متقطعة هكذا (٤ ساعات كل ١٢ ساعة). قال لي، نعم، ولكننا نستعملها كخزانة. لا يمكننا حفظ الطعام بها، نشتري مقدار وجبة واحدة، والباقي معلبات.
  2. صديقي الصحفي يقول لي ان الكهرباء لا وقت لها، يمكن ان تأتي أي وقت، في الصباح، في المساء، في آخر الليل، او بعد منتصف الليل. عندما تأتي في الليل، الكل يستيقظ، نشغل الغسالة لغسل الملابس، ولكن نصف غسلة خوفا من ان تقطع فجأة قبل نهاية الأربع ساعات، نعد الخبز، نشحن اجهزتنا الخلوية وغيرها. اننا نطارد الكهرباء وكأنها عاصفة عابرة.
  3. قال لي بسام ان الكل في غزة في حالة انتظار، هذا ليس جديدا، ما زلنا في هذا الحال منذ الازل، اليوم ننتظر ماذا سيحصل بعد إحالة الموظفين الى التقاعد، ننتظر وعود دحلان بتغيير الحال، ننتظر المصريين ان يفتحوا معبر رفح، ننتظر الكهرباء ان تضيء ليلنا، ننتظر وننتظر وننتظر وننتظر.
  4. في احدى البقالات في شارع الرشيد على شاطئ بحر غزة اشتريت بعض الحاجيات ودفعت للبائع ورقة نقدية فئة ٢٠٠ شيكل، جديدة زرقاء. نظر اليها البائع بتمعن، آه انها اصلية، سآخذها لي وابدلها بالورقة الحمراء القديمة.

    02
    شاطئ البحر فارغ
  5. سألت صديقي عندما ذهبنا لشرب فنجان من القهوة على مقهى على شاطئ البحر، ماذا تحب في غزة. قال لي هذا الشاطئ، وهذا المكان بالذات. انظر اليه، رمال ناعمة على مد النظر. كنا نأتي كل مساء الى هنا، نأكل وندخن النارجيلة ونتحدث ونضحك ويلعب الاولاد، ويكون الشاطئ مكتظا على مدار الليل. انظر اليه الآن، انه حزين، لا أحد عليه، لا احد يمر من هنا، لا احد يمسي عليه ويملي عليه وحدته، كلنا نغض النظر حتى اليه، انه ملوث، انه بحر مجاري.
  6. صديقي باسم يقول لي انه حاول العيش مرارا خارج غزة، ولكن في كل مرة يعود اليها بسرعة. هناك شيء في غزة يجذبني كالمغناطيس، لا استطيع الابتعاد عنه. هناك ادمان من نوع ما يسيطر علي اسميه مخدر غزة.
  7. أبو علي يخبرني عن أخيه الذي استغرقت رحلته من القاهرة الى غزة اكثر من ٤٨ ساعة. هناك حواجز وتفتيش ومعاناة وانتظار طويل على كل حاجز في سيناء. رحلة العودة الى غزة اصعب من معاناة الخروج.
  8. ضجيج غزة لا مثيل له. تنقطع الكهرباء وتشتغل المولدات بموسيقاها المختلفة في آن واحد في كل المدينة، انها ليست محركات سيارات، انها محركات بأحجام مختلفة واصوات مختلفة. انها موسيقى غريبة ابدعت ايدي الميكانيكيين في اختراعها وهي تحرق الوقود بداخلها. الغريب في الامر ان إشارات المرور تعمل وقتما تعود الكهرباء، وتقف السيارات على إشارات المرور، وعندما تنقطع الكهرباء تعود السيارات الى السير على طبيعتها في المفترقات، شق طريقك بنفسك.

    00
    مولد الكهرباء
  9. على حدود غزة الشمالية وعند نقطة التفتيش الفلسطينية يأمرني شرطي الحدود ان أتوجه الى مكتب رقم (١) في المبنى المقابل. يقابلني ضابط أمن مبتسما، ويعتذر عن الأسئلة ويشدد على انني هنا في وطني الام، بإمكاني العيش أينما شئت والعمل والمكوث كيفما اردت، ان غزة جزء من فلسطين مثل رام الله ونابلس.
  10. عندما مررت من بعض الشوارع الرئيسية في غزة لاحظت انها مرصوفة بحجارة الأرصفة الحمراء، فرحت وابتسمت وقلت انها مدينة جميلة شوارعها واسعة مخصصة للمشاة، يا الهي كم هي مدينة رائعة. ولكن ليس لفترة طويلة. فجأة ارتال من السيارات تعبر الشارع. مهلا مهلا، انه شارع للمشاة. يهزأ بي صديقي، انه ليس للمشاة، لا يوجد اسفلت لرصف الطريق، فرصفوه بالحجارة مؤقتا.
Advertisements

غزة

بسام المهر

21/8/2017

لا يمكنني الكتابة عن غزة، لا أدرى ماذا أقول، لا أدرى، انها تشبه كل المدن الساحلية، حارة مع رطوبة عالية، وجو صافي، ومسطح مستوي، بدون مرتفعات او منخفضات، شوارع عريضة واحياء مربعة، وعمارات شاهقة، وشاليهات ومقاهي بحرية ورمال في كل مكان. الشاطئ يمتد على مسافات شاسعة بدون صخور، والشارع الساحلي يمتد من الشمال الى الجنوب. غزة مدينة تشبه نفسها وتشبه كل المدن، اناسها طيبون، يضحكون ويمزحون ويغنون ويفرحون. الكثير من المنغصات في كل مكان، ولكن يبقى للفرح مكان في قلوب الغزيين، انهم يحتفلون بزواج أبنائهم وبناتهم، يرقصون ويطلقون ابواق السيارات ابتهاجا.

01
نفق إيرز على حدود غزة الشمالية، ١٠٠٠ متر، ١٥ دقيقة مشيا على الأقدام او تركب التوكتوك.

Continue reading “غزة”

يوميات دراجة نارية (10)

بسام المهر

 البنك في كل مكان

الجمعة، 4 آب2017

 في منطقة رأس العوجا في غور الضفة الغربية من نهر الاردن، الى الشمال الغربي من اريحا، تتبعثر بيوت من الصفيح هنا وهناك، تعيش فيها عائلات بدوية من الخرابشة، احد افخاذ عشيرة الرشايدة، وعائلات من الغوانمة من عرب الجهالين. وعلى سفح تلة هناك مضافة صغيرة بنيت ارضيتها بالاسمنت، ورفعت بأعمدة حديدية، ووضع فيها بعض الفراش والأسرة الخشبية، وامامها نصبت لوحة تعريفية بمسار ابراهيم، ذلك المسار المتعرج المتخيل الذي لا ادري كيف شق طريقه من العراق الى تركيا وسوريا والاردن وفلسطين، ووصل الى هذا المكان الخالي. تستقبلنا سيدة البيت بالترحاب والسؤال عن احوالنا، فهي ليست المرة الاولى التي نزور فيها المكان. تضع لنا ثلاث فرشات من الاسفنج مع مخدات مزركشة على ارضية التخشيبة الاسمنتية، وتذهب مسرعة لاعداد الشاي والفطور. بعد وقت قليل يأتي صاحب البيت، علي.

IMG_5830
مضافة الخرابشة. بسام المهر

Continue reading “يوميات دراجة نارية (10)”

يوميات دراجة نارية (9)

بسام المهر

الزبيدات

الجمعة 30 سبتمبر 2016

قرية صغيرة في غور الاردن، تبعد 45 كم شمال مدينة اريحا، ويستوطنها حوالي 2000 شخص من قبيلة الزبيدات البدوية. هذه القبيلة البدوية التي تعود جذورها الى بئر السبع التي هجرتها بعد نكبة العام 1948 الى غور الاردن، حيث قامت الحكومة الاردنية بتوطينهم في هذه المنطقة قبل ان تحتلها اسرائيل في العام 1967.

zbeidat Continue reading “يوميات دراجة نارية (9)”

يوميات دراجة نارية (٨)

بسام المهر

قمران

N31° 44.49’ E35° 27.594’

١٢ آب ٢٠١٦

على ضفاف البحر الميت تقع قرية عتيقة التجأت اليها قبيلة تركت الحياة وصخبها في الأعلى ونزلت الى اخفض بقعة على الأرض، وكأنها نزلت الى باطن الأرض، حيث يعيش هيدز، ملك العالم السفلي. اعتزلت الحياة وعاشت حياة التقشف والتطهر، وكتب قوانينها على لفائف لفتها بعناية وخبأتها في بطن الجبل حتى وجدناها بعد الفي عام.

IMG_6896
كهوف قمران حيث وجدت المخطوطات. بسام المهر

Continue reading “يوميات دراجة نارية (٨)”

يوميات دراجة نارية (٧)

بسام المهر

“والقهوة، لمن أدمنها مثلي، هي مفتاح النهار.” محمود درويش

29 تموز 2016

على حاجز دير بلوط يقف جنديين اسرائيليين وراء مكعبات اسمنتية. لا يوجد حركة سير على هذا المفترق، فيوم الجمعة عادة هادئ. نقترب من الحاجز على ثلاث دراجات نارية، نعكر صفو الهدوء، نخفف السرعة ونترقب اشارة الجندي لنا بالتقدم او التوقف. لا اشارات، لا شيء، نستمر بالتقدم ببطء شديد، اقدامنا اليسرى تجر على الارض استعدادا للتوقف التام في اية لحظة يأشر فيها الجندي. الجندي يبتسم، يتقدم للامام خطوتين امام المكعب الاسمنتي، يأشر بيده للتوقف. نتوقف ثلاثتنا، الجندي لا ينظر لنا، الاحظ ابتسامته، انه اسمر البشرة قليلا، ذو شعر غزيز طويل قليلا على عسكري، ولحية خفيفة سوداء، راميا بندقيته على جانبه الايسر. ينظر الى الدراجة، ويسأل من اين اتينا، “من رام الله”، اجيبه، “والى اين تذهبون؟” “الى قلقيلية”، تزداد ابتسامته ولكنه لا ينظر الينا، لا زال يحملق في الدراجة، “ساع”، “يوم توف”، ونكمل المشوار. ما الذي يجعله يبتسم؟ هل هي تلك الآلة الهندسية الفاتنة ذات العجلتين؟

IMG_6835 Continue reading “يوميات دراجة نارية (٧)”

يوميات دراجة نارية (6)

بسام المهر

٨ تموز ٢٠١٦

فلتت مني شهقة حين عبرنا المنعطف الاول، وارتج لساني ومقود السيارة في يدي. وهتفت بزملائي الذين كانوا معي في السيارة: عشرين عاما وأنا أحلم بهذه المنعطفات اللولبية. هذه الطلعة لم تغب عن ذاكرتي يوما واحدا. إني أتذكر كل منعطف فيها. هي اربعة فعدوها. وهذه الجبال المشرئبة تحرس السهل الاخضر. هي عشرة فعدوها. وهذا الهواء النقي، هذا الاريج أعرفه. إني استنشق رائحة رافقتني طول العمر. هذا المكان مكاني![1]

01قبل ٤٨ سنة، بعد عام على احتلال إسرائيل للضفة الغربية، كتب اميل حبيبي هذه السطور عن منعطفات اللبن. وبعد ٤٨ سنة لا زلت اشعر بنفس ما شعر به الروائي الكبير. اشعر بالحنين ولكن أيضا بالغربة وانا امرّ من منعطفات اللبن الشهيرة، اللولبية الخضراء الزاهية، وهذه التلال التي تحرس السهل الأخضر في الأسفل.

لقد أصبحت الطريق الرئيسية التي مضى عليها مئات السنين، والتي كانت مقطعا من الطريق الواصل ما بين القدس ونابلس، أصبحت غريبة علينا، وأصبحنا دخلاء عليها، بعد ان بنت الدولة المحتلة طريقا التفافيا سريعا يتخطى الطريق الرئيسي الجميل. Continue reading “يوميات دراجة نارية (6)”